فصل: تفسير الآيات (160- 161):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآية رقم (159):

{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159)}.
التفسير:
المعنى الحرفىّ لهذه الآية هو:
ما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ بالمسيح قبل أن يموت المسيح، ثم يكون المسيح يوم القيامة شهيدا على أهل الكتاب هؤلاء.. أي شاهدا عليهم بما كان منهم معه.
وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى.
فما تأويل هذا؟
وكيف يؤمن أهل الكتاب جميعا بالمسيح، وقد أنكره اليهود، وما زالوا، وهم من أهل الكتاب؟
ثم إن الأمر لأكثر من هذا.. فقد جاء الخبر مؤكّدا، مستغرقا جميع أهل الكتاب، فردا فردا.
وهذا يعنى أن الخبر على حقيقته، وأنه لا مجال فيه للمجاز.. وأنه حكم جازم قاطع بأن كل أحد من أهل الكتاب لا يموت إلا وهو مؤمن بالمسيح! فما تأويل هذا؟
قيل إن المراد من إيمان أهل الكتاب- من اليهود والنصارى- بالمسيح، هو تصحيح إيمانهم به ومعتقدهم فيه.. إذ كان اليهود قد نسبوه إلى أمّ زانية، واتهموه بالسحر والشعوذة والتجديف على اللّه، وحكموا عليه بالموت صلبا.
على حين أن النصارى رفعوه إلى مقام الألوهية، وجعلوه هو اللّه سبحانه وتعالى، تجسّد في عذراء، وبشّر بالإنجيل، ثم صلب- مختارا- ليفتدى بدمه خطيئة آدم، وليطهّر البشر منها. ثم قام من بين الأموات بعد ثلاثة أيام..!
وتصحيح إيمان هؤلاء وأولئك بالمسيح، هو رؤيته على الصورة التي هي له، وأنه عبد من عباد اللّه، وأنه ولد من أمّ دون أب، كما ولد آدم من غير أب ولا أم، وأنه نبىّ اصطفاه اللّه لهداية الناس، والتبشير بالحق، والعدل، والسلام فيهم، وأنه لم يصلب ولم يقتل، ولم يقم من بين الموتى.. وأنه ليس إلها ولا ابن إله.
أما تصحيح هذا الإيمان، فإنه يكون في سكرة الموت، حيث تشهد الروح قبل أن تفارق البدن شعاع الحق يكشف لها كل ما كانت عليه من ضلال.
وفى لمحة خاطفة، أشبه بلمحة البرق ترى الروح كلّ شيء، وتعلم كل شيء..!
ومن بين ما تعلمه فساد معتقدها أو سلامته، وسوء مصيرها أو حسنه! وهذا الذي تشهده الروح في هذه اللمحة من معالم الحق لا يغيّر من وضعها الذي كانت عليه.. فهذا إيمان كإيمان فرعون حين أدركه الغرق، {حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [90: يونس] وقد ردّ اللّه إيمانه ولم يقبله بقوله تعالى: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [91: يونس].

.تفسير الآيات (160- 161):

{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161)}.
التفسير:
من العقوبات التي عجّلها اللّه سبحانه وتعالى لليهود في هذه الدنيا، أن حرّم عليهم طيبات كانت أحلت لهم، فلما مكروا بآيات اللّه أخذهم اللّه بذنوبهم، فأعنتهم وأوقعهم في الحرج، كما أعنتوا هم رسله وأخرجوهم.
فمن طيبات الطعام التي حرمها اللّه على اليهود، ما جاء في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ} [146: الأنعام] وقوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ} أي بسبب ما كان من الذي هادوا من ظلم.
وقوله تعالى: {وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً} هو سبب آخر لتلك العقوبة التي أخذوا بها، وهى أنهم صدّوا عن سبيل اللّه وأعرضوا عنها، كما صدّوا غيرهم عن سبيل اللّه، وأضلوهم عنه.
وقوله تعالى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ} هو بيان لبعض مآثم هؤلاء القوم، التي كانت سببا في أن سلط اللّه عليه لعنته وأخذهم بهذا العقاب الأليم.
فقد استحلّوا الرّبا، وقد نهاهم اللّه عنه.. وقد بلغ من جرأتهم على اللّه أن حرّفوا التوراة، وأقاموا نصوصها على الوجه الذي يرضون.. فجعلوا الربا محرما إذا كان بين يهودى ويهودى، ومباحا حلالا إذا كان بين يهودى وأممىّ، أي غير يهودى.. وفى هذا تقول التوراة، كما أرادوا لها أن تقول: لا تقرض أخاك بربا فضة، أو ربا طعام، أو ربا شيء مما يقرض بربا.. للأجنبى تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا!! (تثنية 33: 19).. أفهذا شرع اللّه بين عباده؟ تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
وفى قوله تعالى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا} ما يجعلنا نأنس إلى الرأى الذي رأيناه في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ}.
فقد قلنا إن المراد بآكلى الربا هنا هم المقترضون، لا المقرضون.
ولهذا جاء قوله تعالى هنا: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا} مرادا به المقرضون، وأصحاب الأموال، التي يتعاملون فيها بالربا، ولم يجيء هكذا: {وأكلهم الربوا} لأن اليهود يقرضون ولا يقترضون.
وقوله تعالى: {وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ} هو أعمّ من الربا، وهو كل مال جاء من طريق غير مشروع، كالسلب والسرقة، وكالقمار، والخداع، والغش، والرشوة، ونحو هذا.
واليهود يتزاحمون دائما على كل مورد من هذه الموارد، حتى لا يكادون يدعون مكانا لغيرهم من الناس! قوله تعالى: {وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً}.
هو نذير لليهود بالعذاب الأليم في الآخرة، بعد أن لبسوا البلاء المهين في الدنيا.. وفى وصفهم بالكفر، والاتجاه بالخطاب إليهم بهذا الوصف، هو لغلبة الكفر عليهم، كما يقول اللّه تعالى فيهم: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ} [110: آل عمران]..
وفى قوله تعالى: {مِنْهُمْ} استنقاذ لمن خلص بجلده من هذه الجماعة، وخرج عن محيطها، فآمن باللّه، وأخلص دينه للّه!

.تفسير الآية رقم (162):

{لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162)}.
التفسير:
الراسخون في العلم: هم أهل العلم القائم على النظر السليم، والفهم الذكىّ.
وهؤلاء الراسخون في العلم من أحبار اليهود وعلمائهم- ليسوا على شاكلة قومهم من الكفر والعناد، وقساوة القلب.. بل هم إذ يرون الحق يعرفونه ويؤمنون به، وقد آمنوا بما في أيديهم من كتاب، كما آمنوا بما نزل على محمد من كلام اللّه- فهم حيث وجدوا الحق، عرفوه، وانقادوا له، وأسلموا إليه زمامهم.. لا يعنيهم على أىّ يد جاءهم، ولا من أي جهة طلع عليهم.
وهكذا حكم العقل السليم على أهله.. يقودهم إلى الحق، ويجمعهم عليه.
وقوله تعالى {وَالْمُؤْمِنُونَ} هو عطف على قوله تعالى: {لكِنِ الرَّاسِخُونَ}.
فهؤلاء الراسخون هم والمؤمنون سواء، إذ يلتقون جميعا على الحق: {يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}.
وهؤلاء المؤمنون قد يكونون من مؤمنى اليهود، الذين آمنوا عن استجابة لدعوة الحق، ولم يتّبعوا أهواء أهل الضلال فيهم، فظلوا متمسكين بالعقيدة السليمة التي جاء بها موسى.. فهم مؤمنون.. وهؤلاء لا يرون في إيمانهم تعارضا مع ما جاء به محمد صلوات اللّه وسلامه عليه، فهم والراسخون في العلم سواء في مواجهة الدعوة الإسلامية، إذ يرونها هي والحق الذي في أيديهم على طريق واحد.
وقد يكون المراد بهؤلاء المؤمنين، المسلمون.. فهم إذ آمنوا بمحمد مدعوون إلى الإيمان برسل اللّه جميعا، وبالكتب السماوية التي نزلت على الأنبياء.
قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ} هو استئناف لتقرير حكم جديد، لمن آمن باللّه واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة، ذلك، الحكم هو أن اللّه سيؤتيهم أجرا عظيما.
ومناسبة هذا الحكم لما قبله، هو أنه لما ذكر اللّه سبحانه وتعالى الراسخين في العلم والمؤمنين وأنهم يؤمنون بما أنزل على محمد، وما أنزل من قبل- ناسب أن يذكر لهؤلاء آمنوا، أن وراء الإيمان عملا، وأن هذا العمل هو الذي يتمم الإيمان، ويعطى الثمرة الطيبة التي له.. وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة هما أبرز عملين من أعمال المؤمنين، وأن الاستقامة عليهما سبب لمرضاة اللّه، وللأجر العظيم عنده.
وفى عطف قوله تعالى: {وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} على قوله سبحانه: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} مع الاختلاف في الصورة الإعرابية بين العطوف والمعطوف عليه- في هذا ما يدعو إلى التوقف والنظر.
فلم لم يكن المتعاطفون نسقا واحدا، على أية صورة.. بالرفع مثلا، هكذا: والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون باللّه واليوم الآخر؟
وقد كثرت في هذا آراء المفسرين والنحاة.. ولم نر فيما قاله هؤلاء وهؤلاء وجها نستريح له، ونرضى به، ونطمئن إليه.. إذ كلها محاولات لتسوية هذا التخالف، الذي يبدو وكأنه تناقض وخروج على أساليب العرب، ومألوف كلامهم.. وكأنهم- أي المفسرون والنحاة- يلتمسون المعاذير للقرآن، لهذا الخلل الذي ظهر فيه هنا.!!
وللقرآن الكريم، أن يكون متفقا مع قواعد النحاة أو مخالفا لها، جاريا ما عرف من أساليب العرب أو خارجا عنها.. وعلى النحاة أن يصححوا نحوهم عليه، وعلى الأساليب العربية أن تستقيم على ما طلع عليه بها القرآن من أساليب جديدة، وأن تجعلها من مذخورها الذي تحرص عليه، وتثرى باقتنائه، وتعتزّبه.
فلنتحرر إذن من قواعد النحو، وأساليب العرب، حينما نستقبل جديدا من أساليب القرآن وإعجازه، ولنلقه بقلوبنا، لقاءنا لمعجزة قاهرة متحدية.
ونعم، فإننا بين يدى كل آية من آيات الكتاب الكريم، في مواجهة معجزة متحدية، لا تكشف لنا عن وجهها إلا بعد توقف ونظر.. ولكنا حين نكون بين يدى آية تطلع علينا بأسلوب غير مألوف من أساليب العربية، وغير جار على مقررات النحاة وقواعد النحو- فإننا نكون حينئذ في مواجهة آية تكشف لنا عن وجه من وجوه إعجازها، وتدعونا إليها، وتحملنا حملا على النظر في وجهها.
فهنا في هذه الآية.. دعوة صريحة، وإشارة مضيئة، إلى كلّ من يلتقى بهذه الآية الكريمة أن يقف عندها، وأن يدبر النظر فيها، وأن يسأل نفسه كل تلك الأسئلة التي سألها المفسرون والنحاة، عند ما التقوا أو يلتقون بكلمة: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ}.
لماذا خالفت نسق ما قبلها؟ ولماذا تخالف نسق ما بعدها؟
ولعلنا لا نقف طويلا عند الإجابة عن السؤال الأول.. إذ نجد الجواب حاضرا قريبا، وهو أنه ليس بين هذه الكلمة وما قبلها صلة عطف، وأن الواو التي تسبقها ليست واو عطف، وإنما هي للاستئناف.. إذ قد تمّ الكلام قبلها، واستؤنف بها كلام جديد، لتقرير حكم جديد.
ويبقى بعد ذلك الجواب عن السؤال الثاني.. وهو الذي يحتاج إلى طول نظر، وكثير تأمل! وأقلّ ما تخرج من بعد هذا النظر الطويل، وهذا التأمل الكثير هو:
أولا: قطع ما بعد الواو في قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} عما قبلها.. إذ كان لما قبلها شأن، ولما بعدها شأن آخر.
ولو لم يلقنا هذا التخالف في نظم الآية لما وقفنا عند تلك الكلمة، ولربّما داخلنا شعور- من حيث لا ندرى- أن الآية الكريمة نسق واحد، تنتهى إلى حكم واحد، هو ما ختمت به الآية في قوله تعالى: {أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً}.
وثانيا: ترديد كلمة {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} والدوران حولها، والبحث عن الوجه الذي تنتظم فيه بما قبلها أو بعدها.. وفى هذا الترديد لتلك الكلمة، والتحديق الطويل فيها- ما يربط الشعور بها، ويشدّ العقل إليها، ويشغل التفكير بها.. وذلك من شأنه أن يقيم الصلاة مقاما مكينا في كيان المؤمنين، الأمر الذي يجب أن يكون للصلاة، إذ هي عمود الدّين، وركنه الركين.
من أقامها فقد أقام الدين، ومن ضيعها فقد ضيّع الدين.
والسؤال هنا.
ما الوجه النحوي الذي يستقيم عليه الرأى في هذه الكلمة؟ وهل هي منصوبة على الاختصاص.. أو معطوفة على معمول الباء في قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ} أي ويؤمنون بالمقيمين الصلاة.. رفعا لشأن الذين يقيمونها، وأنهم معلم من معالم الإيمان..؟
أما نحن فإنا لا نورد هذا السؤال.. ولا نتصدّى للإجابة عليه.. وإنما نتقبّل الأسلوب القرآنى، دون أن نجد فيه علة تدعو إلى كشف، أو غموضا يحتاج إلى بيان!! وغاية ما يمكن أن نقوله هو: أن هذا هو أسلوب القرآن.
وعلى النحو أن يصحح قواعده عليه، وعلى البلاغة أن تضبط موازينها به!

.تفسير الآيات (163- 165):

{إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165)}.
التفسير:
ما حجّة هؤلاء الذين يفرّقون بين رسل اللّه، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض؟ ما حجتهم؟ وما عذرهم؟ ورسل اللّه جميعا هم بعثة الهدى والرحمة المرسلة من اللّه إلى عباد اللّه.. لا يحملون في أيديهم إلا الخير، ولا يمدّونها بغير الهدى!.. فكيف يقبل الناس على بعضهم ويعرضون عن بعض؟ وكيف يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض؟
إن ذلك هو كفر، وإن الإيمان المتلبس به لا معتبر له.. لأنه إيمان قائم على التعصب والهوى، لا على الحق والهدى.. ولو كان إيمانا صحيحا لا استقام على كل طريق يقوم على الإيمان ويدعو إليه.
وقوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ}.
هو بيان لهذا المنزّل على محمد صلوات اللّه وسلامه عليه، وأنه عليه الصلاة والسلام.. ليس بدعا من الرسل.
والأسباط، هم أبناء يعقوب.. وعدتهم اثنا عشر ومنهم، يوسف- عليه السلام-.
وفى قوله تعالى: {وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً} ما يسأل عنه.. وهو:
لم انفرد داود عليه السلام بقوله تعالى: {وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً}؟ ولم لم يدرج مع الأنبياء الذين أوحى اللّه إليهم، وكان لهم ذكر قبله؟.
والجواب على هذا، هو أن الزبور لم يكن من كلمات اللّه الموحى بها، وإنما كان إلهامات ومشاعر فاض بها قلب داود، في مقام الولاء والخشوع للّه، فكانت ترانيم جرت على لسانه، يمجّد اللّه بها، ويرفعها إليه في صلوات خاشعة، أشبه بالمأثور من دعاء النبيّ صلوات اللّه وسلامه عليه، في مواقف صلواته للّه، وتسبيحه له.. ولهذا أضيفت إليه فسميت مزامير داود.
وقد نوّه اللّه سبحانه وتعالى، بهذه التسابيح التي فاض بها قلب داود، وأطلقتها مشاعره. وردّدها لسانه- لما فيها من صدق الإيمان، وإخلاص الحبّ والولاء للّه، وجعلها سبحانه، مما يتقرب بها إليه المؤمنون، ويسبّحه بها المسبّحون! وقوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً} إشارة إلى أن ما تلقّى موسى من كلمات ربّه لم يكن عن وحي ينقل إليه كلمات اللّه، كما كان يفعل جبريل مع أنبياء اللّه، وإنما كان تلقيا مباشرا من اللّه سبحانه: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً} وفى تأكيد هذا الخبر ما يدفع أي احتمال لمجاز، بل إنّ هذا الذي تلقاه موسى من ربّه، كان مما كلّمه اللّه به، وكتبه له في الألواح.. وفى هذا يقول اللّه تعالى: {وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [145: الأعراف] وكان ذلك في أربعين ليلة هي التي انعزل فيها موسى عن قومه، ليستقبل ما تلقاه من ربّه.. وفى هذا يقول اللّه تعالى: {وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [142: الأعراف].
وقوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} أي أرسلنا رسلا إلى الناس، مبشرين ومنذرين، يبشرونهم بمغفرة ورضوان إذا هم استجابوا لرسل اللّه، وآمنوا باللّه، وينذرونهم بما يلقون من سخط اللّه وعذابه، إذا هم كذّبوا رسل اللّه وكفروا باللّه.
وقوله سبحانه: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} هو إشارة إلى ألطاف اللّه، ورحمته بعباده، حيث لم يدعهم إلى عقولهم ليتعرفوا إليه، ويستقيموا على سبيله، بل رفد هذه العقول بذلك النور الهادي الذي حمله إليهم رسل اللّه، لتكون رؤيتهم لآيات اللّه واضحة، وطريقهم إليه مشرقا.
فمن كفر باللّه وحاد عن طريقه، فليس ذلك عن علّة، إلا العناد، واتباع الهوى، والانقياد للشيطان.. فإذا أخذ الكافر بكفره، فذلك هو الحكم الذي حكم به الكافر على نفسه، ورضيه لها. فلا عذر لمعتذر، ولا حجة لكافر.
وقوله تعالى: {وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} هو بيان للصفة الإلهية المتجلية على العباد في هذا المقام. فهو سبحانه وتعالى عزيز، يخضع لعزته كل موجود.. ولو شاء لأخذ الناس بغير حجّة عليهم، ولعذبهم من غير أن يبعث فيهم رسله مبشرين ومنذرين- إذ ليس لأحد أن يراجع اللّه، ولا أن يعترض على ما يريد.. ولكنه- سبحانه- مع هذه العزة المتمكنة الغالبة {حكيم} لا يفعل إلا ما تقضى به حكمته، في إشراقها وعدلها.